Post 1146




سيد قطب الصيني

بقلم الدكتور يونس عبد الله ما تشنغ بين الصيني





          ما من شك في إن قيادة العلماء تؤدي وظيفة أساسية في كيان الأمة الإسلامية، فهي التي حافظت على توحيد الأمة من خلال دورها الثقافي والشرعي، وأسهمت في التصدي لأخطاء الحكام وتجاوزاتهم، واجتهدت على إكمال تقصيرهم وقصورهم في أحيان كثيرة. 


إن الصفات التي تؤهل المسلم لكي يكون عالمًا في أي عصر من العصور كثيرة، أهمها: أن يكون ربانيًا، وأن يكون منحازًا إلى الأمة، مهتمًا بقضاياها، متفاعلًا مع مشاكلها، وأن يكون عالمًا بالقرآن، والسنة، والفقه، والسيرة، والتاريخ، وأن يكون عالمًا بالعلوم التي نشأت حول تلك المحاور من أصول الفقه، ومقاصد الشريعة، والبلاغة، وعلوم مصطلح الحديث، وأن يكون عالمًا بالحضارة الغربية: نشأة، وتطورًا، وتاريخًا، وأزمة، وأن يكون مبدعًا في أحد مجالات الفقه، أو الشريعة، أو الحديث، أو علوم القرآن، أو الدعوة في العصر الحاضر.



مفكر وعالم وإمام:


إن العلاَّمة المسلم الصيني الشهيد "يوسف شنغ كه لي" هو أحد عمالقة القادة المسلمين، ويستحق وصف القيادي في الأمة المسلمة في الصين في القرن العشرين وبكل جدارة. إن التعتيم الإعلامي على مسلمي الصين، وعدم التواصل الفعال بين أبناء الأمة الإسلامية، كل ذلك أسهم في أن تظل شخصيته، وجهده، وأعماله، ودوره في نشر الدعوة الإسلامية في الصين، والدفاع عن الحق مجهولة أمام العالم الإسلامي. والأمانة العلمية والوازع الديني يحتمان علينا التعريف بإمامنا الزاهد، وقدوتنا الخالدة، والعلاّمة الصيني، والمفكر اللامع، والشهيد يوسف شنغ كه لي، ليعرف العالم الإسلامي خاصة، والعالم بأجمعه عموما مكانة وقيمة عالمنا الجليل هذا.


          إن الشهيد يوسف شنغ كه لي يُعَدُّ من العلماء اللامعين، وكبار المفكرين، والمترجمين البارزين، وأحد مرشدي الأمة المسلمة الصينية إلى صراط الله المستقيم في منتصف القرن العشرين في أرض الصين، ويعد أيضا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في قلوب المسلمين في الصين بعد قيام دولة الصين بقيادة الحزب الشيوعي الصيني عام 1949م. وهو الإمام الزاهد والعالم المسلم الصيني الوحيد الذي جمع بين حبر العلماء ودماء الشهداء في سبيل الدين والحق في أرض الصين.


          ولد الشهيد يوسف شنغ كه لي (Chen Ke Li)-رحمه الله- عام 1923م بقرية تشانغ قه (Chang Ge) ببلدة ينغ تشياو(Ying Qiao) من محافظة شيانغ تشن (Xiang Chen) لمقاطعة خه نان(He Nan) بالصين. وبدأ يدرس اللغة العربية والدين الإسلامي وهو في التاسعة من عمره في المسجد بقريته، ثم واصل دراسته للعلوم الإسلامية على أيدي العلماء الصينيين الأجلاء من مسجد إلى آخر، وسافر بعد بدء حرب المناضلة للغزاة اليابانيين إلى محافظة بينغ ليانغ من مقاطعة قانسوا لمتابعة دراسته الدينية، ثم واصل دراسته في تخصص اللغة العربية بمدرسة المعلمين بشرق قانسوا، وفي عام 1947م التحق بمعهد العلوم الإسلامية ببكين؛ لمواصلة الدراسة في العلوم الإسلامية. وبعد تخرجه منه عام 1954م، عين إماما في مسجد ينغ تشياو (Ying Qiao) في قريته، وتم تعيينه كمدرس مساعد  للغة العربية وآدابها في جامعة بكين عام 1955م، بترشيح من أستاذه محمد مكين رحمه الله. وغادر الجامعة 1955م للتفرغ الكامل في ترجمة الكتب الدينية، ثم عين مدرسا في معهد العلوم الإسلامية عام 1957م، وعاد إلى قريته في السنة نفسها بعد مغادرته المعهد. فوقعت الطامة الكبرى على الشهيد ابتداء من عام 1958م حتى أعدِم ظلما عام 1970م.


          إن حياة الشهيد المجيدة كانت خالصة لوجه الله مدافعا عن الحق أينما كان وحلّ، وما كان ينحني أمام نفوذ الشر أو يخافه؛ بل كان يلتزم بالحق من البداية إلى النهاية، وقد فضّل  الموت بالعزة وهو مرفوع الرأس على الاستسلام، وحافظ على كرامة المثقفين المستقيمين. وما كان الشهيد نموذجا للمثقفين المسلمين الصينيين خاصة؛ بل كان مثلا بارزا للمثقفين الصينيين عامة، وقدوة وأسوة خالدة للمسلمين في الصين داخلها خارجها.   


          إن للشهيد يوسف تشن كه لي إنجازات عظيمة في التأليف والترجمة حول الحضارة الإسلامية، والفكر الإسلامي، والسنة النبوية الشريفة. ومن أهم مؤلفاته كتابه المشهور «معرفة الإسلام عن طريق معرفة محمد-صلى الله عليه وسلم-»، وقد نشر هذا الكتاب عام 1951م في بكين، وتم ترجمته إلى العديد من اللغات الأجنبية، منها: العربية والملايوية والأوردية. وقد صار الكتاب معلما من معالم الطريق إلى الدين الإسلامي الصحيح بين المسلمين، وجعل المسلمين في الصين يفهمون الإسلام فهما صحيحا من خلال قراءة محتوياته. والجدير بالذكر أن هذا الكتاب تم تأليفه في شهر سبتمبر عام 1950م، وكان عالمنا في السابعة والعشرين من عمره، والكتاب يحتوي على مائتي ألف كلمة وأكثر. وفي هذا الكتاب ذكر الشهيد عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنجازاته الكبرى، كما بيّن تمييز الباطل من الحق، وكيفية معرفة جوهر الإسلام وأحكامه، وفي الكتاب ذكر المؤلف قضايا المسلمين المعاصرة، وتصوره الكامل لحلها، والتغلب عليها في ضوء روح القرآن والسنة النبوية الشريفة، وهو كتاب متميز في تحليل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. والكتاب لم يؤلف لفئة معينة من الناس، بل يخاطب جماهير الأمة بكاملها، واستخدم فيه الشيخ أسلوبا لغويا سهلا، ممتعا، مع مادة علمية غزيرة، وربط علوم الإسلام بعلوم الطبيعة. إن عرض الإسلام بشموليته جعل للكتاب مكانة خالدة في قلوب القارئين له على جميع المستويات بين المسلمين. ومما تجدر الإشارة إليه أن الكاتب قد خصص فصلا كاملا لبيان قضية المرأة  تحت موضوع "الكفاح من أجل منزلة المرأة وحقوقها"؛ حيث قال: "إن منزلة المرأة في المجتمع البشري رائعة في الأصل، وهي نصف المجتمع؛ ومن المبادىء الإسلامية يتضح أن الإسلام أنزل المرأة منزلة مكرمة، وأعطاها شخصية مستقلة لا يجوز الاستهانة بها أو إغفالها، ولها حقوقها، وعليها واجباتها، وهي كالرجل فى الإنسانية سواء بسواء". 


كان حزن الشيخ الشهيد على ضعف المسلمين وتفرقهم داخل الصين وخارجها شديدا، وحبه ورغبته في توحيد المسلمين كان واضحا في جميع كتاباته. ومن نصائحه دعوته إلى الاتحاد والتعاون على البر والتقوى، حيث قال في مقدمة الكتاب: "إخواني المسلمين، لا تحسدوا بعضكم بعضا، ولا تتفرقوا بالمسائل الفقهية الفرعية، ولا تتعصبوا فيها؛ بل علينا التعاون فيما بيننا بالحب والاحترام على أساس القرآن والسنة النبوية الشريفة". وقد دعا إلى تعلم القرآن الكريم، والعمل على خدمة دين الله بالإخلاص والتقوى، حيث قال: "إن القضايا التي أمامنا مقدسة، والعصر الذي نعيش فيه عظيم، والرسالة التي نحملها على عاتقنا شاقّة، وطاقتنا وقوتنا ضعيفة كضعف ضوء الشمعة في الليل المظلم، كأن ندائنا جرس الناقة في الصحراء الواسعة لايسمعه أحد". وباختصار فإن الشهيد كان يهدف من خلال كتاباته إلى تطوير حالة المسلمين إلى الأمام ببثّ روح القرآن في قلوب المسلمين، ومحبة صلى الله عليه وسلم، واتخاذه أسوة وقدوة في حياتنا اليومية؛ حتى يكون الإسلام مهيمنا على جميع الناس.


          ومن الأعمال التي ترجمها الشهيد والأكثر تأثيرا بين المسلمين كتاب «التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول-صلى الله عليه وسلم-للشيخ منصور علي ناصف»، ويعد هذا الكتاب فريدا من نوعه لشموله على جميع أبواب الفقه، ولم يسبق في تاريخ الصين ترجمة كتاب شامل من كتب السنة النبوية الشريفة، جمع أبواب الفقه كلها قبل كتابه هذا. ونشر الجزء الأول منه في بكين عام 1945م، فبدأ المسلمون إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الكتاب، وإماتة البدعة والخرافات التقليدية التي توارثوها؛ حيث تأثرت ثقافة المسلمين الدينية بالمعتقدات والثقافات الصينية المحلية، وخاصة تلك الثقافة المتأصلة في المجتمع الصيني بشكل عام لدى جميع طبقات الشعب النابعة من الكنفوشيوسية والطاوية والبوذية منذ مئات السنين.


           ومن اللطف الإلهي أن الشهيد يوسف تشن كه لي قد تعلم اللغة العربية والعلوم الإسلامية وتعمق فيها على أيدي العلماء المسلمين في الصين، بينما لم يسافر في حياته إلى البلاد الإسلامية والعربية لمواصلة الدراسة كبقية العلماء الذين تخرجوا من الجامعات الإسلامية والعربية، وبالأخص جامعة الأزهر الشريف.


          وبسبب خلافاته مع السياسة التي طبقها الحزب الشيوعي الصيني، واستيائه من الحزب بسبب ممارسته مع الشعب الصيني عامة، والمسلمين خاصة أيام الثورة الثقافية (1966-1979م)، قام بإرسال رسالة شخصية إلى قادة الدولة، وذكر فيها الأضرار التي أحدثتها الثورة الثقافية على الدولة والشعب، وطلب منهم الكف عنها، فقدّم لهم اقتراحاته ذات الميول الإسلامية. فأدت تلك الرسالة إلى إلقاء القبض على الشهيد يوسف شنغ كه لي في 26 فبراير 1970م بتهمة عدائه للثورة من خلال هجومه العنيف على الثورة الثقافية وعدائه للحزب والفكر الشيوعي. وقد عانى الشهيد شتى أصناف التعذيب في السجن، فحُكم عليه بالإعدام، وتم تنفيذ الحكم في 5 يوليو 1970م. 


وهكذا سقط نجم من نجوم العلماء المسلمين الصينيين بعد أن قدّم دمه وفكره وعقله لدين الله -عز وجل- وهو في السادسة والأربعين من عمره، وَقَدْ وَفىَ بِقَسَمِهِ "أُفَضِّلُ الْمَوْتَ واَقِفًا عَلىَ الْحَياَةِ راَكِعًا". وإن مات الشهيد يوسف شنغ كه لي فهو مازال حيا يقود الأمة المسلمة في الصين إلى الأمام، وتسير الأم المسلمة في الصين قدما في الطريق المخضب بدماء الشهيد أبدا أبدا.... ونسأل الله أن يعطّر مثواه ويحشره مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.


        وإلى القارئ الكريم هذه القصيدة التي نظمها الشهيد يوسف شنغ كه لي في 5 يوليو 1960م، وهي تحت عنوان: شهادة عند القبر في منجم الفحم شنشي تونغتشوان-مركز الإصلاح الإجباري: (مركز الإصلاح الإجباري عبارة عن مكان يحبس فيه السجناء ويكلفون بالعمل في منجم الفحم ). وقد كتب الشهيد يوسف شنغ كه لي قصيدته هذه لتكون تعبيرا عن كتابه المشهور «معرفة الإسلام عن طريقة معرفة محمد-صلى الله عليه وسلم-» وهو يعد أول كتاب من كتب الشهيد في حياته. ولقد قرأ هذه القصائد وحفظها آلاف من الشباب المسلمين الصينيين، مرارا وتكرارا بحب وحماسة وعيونهم تفيض من الدمع.


يقول الشهيد يوسف شنغ كه لي في قصيدته الخالدة:


زَهْرَةُ شَبَاْبِي تَفَتَّحَتْ         ٭   لِتُجَسِّدَ لِلنَّاسِ الْخَيَالْ  ٭   فَوَّاحَةٌ فِي الأَرْضِ سَادَتْ

مِنْ طِيْبِهَا غَارَ الْجَمَالْ       ٭  لِشَبَابِ الأُمَّةِ هَدْيُ نُوْر  ٭   لِلْعِلْمِ غَرْسٌ وَصَلَاحُ فِعَالْ

زَهْرَةُ جُهْدِي لِأُمَّتِي مَبْذُوْلَةٌ ٭ خُذْهَا يَا مُسْلِمُ هَيَّا تَعَالْ  ٭    لِعَرَبٍ وَأُرْدُو وَمَلَايُو

تَرْجِمْ صَدِيْقِيْ هَذَا الْمَقَالْ  ٭ فَأُمَّةُ الصِّيْنِ لا بُدَّ يَوْمًا    ٭    سَتَكُوْنُ وَزَهْرَتِي بِوِصَالْ

وَكُلُّ لُغَاتِ الأَرْضِ حَتْمًا    ٭ سَتَنَالُ مِنْ زَهْرَتِي الْمَنَالْ ٭    َتَكُوْنُ لِلنَّاسِ رَمْزَ كَرَامَةٍ

لِلْحَقِّ رَايَةٌ كُبْرَى وَمِثَالْ    ٭   يِا يِيْ فَانْ[1] ثَائِرٌ مُتَمَرِّدٌ   ٭    لا يَرْضَى بِظُلْمٍ هَذَا مُحَالْ

مِنْ حَوْلِي أَرَاهَا الذُّنُوْبَ    ٭    جِبَالاً شَاهِقَةً ثِقَالْ       ٭    ولا بُدَّ مِنْ يَوْمٍ سَيَأْتِي

يُنَادِي صَوْتِي ضَمِيرَ الرِّجَالْ٭ يَا يِيْ فَانْ شَخْصٌ طَيِّبٌ    ٭   إِلَى جَنَّةِ الْخَلْدِ كَانَ الْمَآلْ[2]



Comments

Popular posts from this blog

Post 363

Post 1579